مرحباً بكم في مدونة المسيح مخلصي وهى تحتوي على موضوعات مسيحية متعددة بالاضافة الي تاريخ الاباء البطاركة المنقول من موسوعة تاريخ اقباط مصر للمؤرخ عزت اندراوس بالاضافة الي نشر الكثير عن تاريخ الاباء

الأحد، يونيو 06، 2010

أثناسيوس والأنبا أنطونيوس

أثر أب الرهبان الأنبا أنطونيوس فى حياة أثناسيوس


هناك ينابيع كثيرة كونت شخصية الأنبا أثناسيوس منها الإلهى ومنها الأرضى , وكان فى عصرة ينبوع بدأ يظهر مياهه الروحية للعالم هذا الينبوع هو الأنبا أنطونيوس فإرتوى أثناسيوس منه وتربى على يدي عملاق الرهبنة وهو بعد شاب وكما يقول بفمه : [لقد رأيت أنطونيوس مراراً وتعلمت منه , لأننى لازمته زمناً طويلاً وسكبت ماء على يديه ( أى خدمته ) ] (1)

إذ سمع فى شبابه عن القديس المتوحد الأنبا انطونيوس , حتى لا يشرع فى نفيه المتكرر بالعزلة بل بالحرى يحسبها فرصة حسنة ليمارس شيئاً من الوحدة , ليصلى من أجل شعبه ويكتب إليهم , لقد وجد نفسه ملتزماً أن يسجل ما رآه بنفسه تاريخ القديس أنبا أنطونيوس وأختبره فى حياته ويقوم بالحديث عن الرهبنة أينما وجد فإنتشرت الرهبنة فى أوربا بسبب كتابه " الأنبا أنطونيوس ".

ونجد فى كتابات القديس أثناسيوس دلائل واضحة عن حبه الشديد للرهبنة وظاهره جداً فى الفقرة التالية : [ وهكذا صارت قلاليهم فى الجبال كهياكل مقدسة مكتظة بجماعة الأتقياء يرنمون المزامير ويشغفون بالقراءة , ويصومون ويصلون فرحين برجاء الأمور العتيدة ... فكان كل من يرى مثل هذا النظام الجميل بين الرهبان يرفع صوته ويقول : " ما أحسن مساكنك يا يعقوب , خيامك يا أسرائيل , كأودية ظليلة , كجنات على نهر كخيام أقامها الرب كأرز على مياة " ] (2)

ويكفى أن نقرأ الكلمات التى كتبها القديس اثناسيوس لنعرف مدى تأثير الفكر الرهبانى فى شخصيته , حيث كان الراهب فى نظر اثناسيوس هو بذ الذات وإنكارها والتضحية بكل أهوائه وشهواته , فبجهاد الراهب يصبح فى كل يوم شهيد فيقول : [ وعندما توقف الإضطهاد أخيراً , وأكمل المغبوط بطرس شهادته ( 25 فبراير سنة 311 م ) إنصرف انطونيوس وأعتزل ثانية فى صومعته وبقى هناك , وكان كل يوم شهيداً أمام ضميره , مناضلاً فى جهاد الإيمان , وصار نسكه أشد صرامة لأنه كان دائم الصوم ] (3)

وكان الراهب أنطونيوس فى حياته أنجيلاً معاشاً , وظل وجه أنطونيوس بوداعته وحركاته الهادئة وسلامة نفسه وهدوئه منطبعاً فى ذاكرة وذهن أثناسيوس لا يفارقة طيلة حياته , وظل الراهب أنطونيوس أحد المصادر السرية فى حياة أثناسيوس التى تشجعه فى نضاله وكفاحة ضد الأريوسيين للحفاظ على الإيمان المسيحى , ونسمع ما كتبه عن أنطونيوس فيقول : [ كان طيباً متواضع الروح ... كانت طلعته تنم عن نعمة عظيمة وعجيبة , وهذه النعمة أعطيت له من المخلص , ومع أنه لم يتميز عن الباقيين فى الطول أوالعرض إلا أنه تميز عنهم فى رصانة الأخلاق وطهارة النفس , لأن نفسه كانت قد خلت من كل شائبة فصارت هيئته الخارجية هادئة , وهكذا حصل من فرح نفسه على كلعة بهجة , وكانت تتبين حالة روحه من حركات جسمه ... كانت نفسه فى سلام ولم يكن ذليل النفس أبداً إذ كان قلبه جزلاً ] (4)

ونتيجة لممارسات أثناسيوس الروحية فى الرهبنه فقد كان النسك هو إجدى المواهب التى زكت أثناسيوس لأعتلاء الكرسى الباباوى وهو دون الثلاثين , وهذا رأى اساقفة مصر التى قدمها للشعب تعزيزاً لأنتخابه : [ وإجتمع كل شعب الكنيسة معاً , كما بفكر واحد وجسد واحد , هاتفين بصراخ أن : أثناسيوس مستحق بالضرورة أن يكون أسقفاً على كنيستهم .. وجعلوا هذا موضوعاً لصلواتهم العامة أمام المسيح متوسلين ان أوافق برجاء , ليلاً ونهاراً , وهم ملازمون الكنيسة لا يريدون أن يغادروها , ولا يسمحون لنا بالخروج منها , ونحن شهود لهذا كله وكل المدينة بل وكل الإقليم ( مصر أيضاً ) لم يتكل أحد بكلمة ضد اثناسيوس , بل كانوا يلقبونه بأعظم وإكرم الألقاب , قائلين أنه : صالح , تقى , مسيحى "ناسك" ( تفهم الآن بمعنى راهب ) أسقف حقيقى ] (5)

وكان دائماً ما يشير فى كتاباته إلى أن الكلمات التى نقرأها فى الأنجيل قد حولها رهبان مصر إلى حياة فمارسوها عملياً فى برارى مصر وصحاريها فنقرأ فى كتابه تجسد الكلمة الآتى [ وإن حججنا التى نقدمها لا تنبع من كلمات وحسب , ولكن لها شاهد حقيقى لصدقها وذلك بالممارسة والإختبار , والذى يريد أن يتحقق من ذلك فليذهب ليرى رهبان الحق فى حياة عذارى المسيح ( الراهبات ) وفى حياة هؤلاء الشبان الذين يمارسون حياة العفة المقدسة ( جماعات الرهبان ) ] (6)
المــــــــــراجع
(1) Vita Ant, I.
(2) Ibid. 44.
(3) Ibid. 47.
(4) Ibid. 69.
(5) Apologia contra , Ar. 6.
(6) De Incarn. Verb 48, 1,2.

الشماس الشاب أثناسيوس يخدم الرب فى كنيسته

الشماس الشاب أثناسيوس يخدم الرب فى كنيسته
تدرجة فى المراتب الكنسية
وفى عام 312 م أقام البابا ألكسندروس الشاب أثناسيوس قارئاً , وفى هذه المرحلة بدأ دراسته وفى كتابه " تجسد الكلمة " (1) ذكر القديس أثناسيوس دراسته للعلوم اللاهوتية على أيدى معلمين عانوا من إضطهاد مكسيمين الثانى الذى وقع فى سنة 311 م (3) ويرجح أنه بدأ دراسته فى مدرسة الإسكندرية بعد نزوح عائلته من أخميم وهو دون الـ 15 عاماً
أثناسيوس سكرتير البابا ألكسندروس
وفى عام 318 سام البابا ألكسندروس الشاب أثناسيوس شماساً وعينه سكرتيراً له , وفى هذه الفترة ألف القديس أثناسيوس كتابين وهما " ضد الوثنية " و " تجسد الكلمة " وأكملهما قبل سنة 319 م حيث لم يكن قد تجاوز الـ 23 من العمر .

وكان البابا الإسكندرى وقتها يترأس على أكثر من 100 أسقف ينتشرون فى كل أنحاء ليبيا والخمس مدن الغربية ومصر والنوبة , فكانت وظيفة سكرتير البابا عملاً ضخماً ومتشعب حيث وضعت عليه مسئوليات كثيرة نظراً لبدء البابا ألكسندروس التقدم فى السن , ويقول القديس كيرلس عمود الدين فى خطابه لرهبان مصر : " أن أثناسيوس كان يعيش مع البابا ألكسندروس ( كإبن مع أبيه) تحت سقف واحد ( وكان محبوباً بسبب حلاوة صفاته ) (4)
الدراسات التى أكملها أثناسيوس
ومع عمله كسكرتير للبابا أنكب أثناسيوس الشاب ينهل من منابع العلم الروحى والمدنى فى ذلك الزمن , فكان يحصل علوم عصره ودرس الفلسفة والبلاغة والشعر , فقد درس هوميروس وأفلاطون وأرسطو وديموستين (5) , ومن فحص كتابته نخرج بنتيجة أنه أستخدم كل هذه العلوم التى أستطاع إستيعابها فى شرح وتوضيح أعماق الإنجيل (6) خاصة فى الدفاع عن الإيمان الأرثوذكسى والمحاجاة ضد الفلاسفة , ولما كانت مصر ولاية رومانية فيقول المؤرخ سلبيسوس ساويرس : أن أثناسيوس درس القانون الرومانى (7)
وكل هذه الدراسات والعلوم التى أستطاع أثناسيوس تحصيلها وإستيعابها لم تؤثر فى شخصيته فظل متواضعاً كما هو , ولم يتكل على بلاغته أو منطقة وقوة إقناعه فى التعالى أو الحط من مقدار محدثه , بل كان دائماً كلمة الرب هو هدف يوصله لكل الناس , ولم يكن العلوم التى أستطاع دراستها بنفسه أو على أيدى معلمين مشهورين أو فى مدرسة الإسكندرية إلا أمراً ثانوياً بجانب الأساس الكتابى فكان ينهل من هذا المنبع , وإستطاع أن يستخدم نهر الكتاب المقدس فى مؤلفاته وخاصة فى مؤلفه ( ضد الوثنيين : 1) وفى عظته ( 1: 9) والرسالة إلى أساقفة مصر وفى دفاعه عن قانون نيقية وفى كتاباته عن مجمعى أرمينيا وسلوقية , وبالإضافه إلى ما سبق أعتمد أثناسيوس على تراث مصر من مفكريها أمثال كليمندس والعلامة أوريجانوس وثيؤغنسطس , والباباوات السابقين , وقد عرف كثيرين من شهداء الإسكندرية ومعترفيها والألام التى ذاقوها أيام إضطهاد ماكسيمين Maximin , تعلم منهم الإيمان الأرثوذكسى وتتلمذ على يديهم وعرف الحب الشديد للكتاب المقدس , حقاً لم يدخل معهم حلبة الإستشهاد لكن قلبه كان ملتهباً بالحب الإلهى , يواجه كل صراع من أجل المسيح .

وكان أثناسيوس صبياً صغيراً عندما وصلته أنباء إستشهاد الأسقف فيلياس أسقف تمويس ( تمى الأمديد ) الذى قبل التعذيب حتى لفظ أنفاسه الأخيرة دون أن يحيد عن الإيمان والتكريز بأسم المصلوب
المــــــــــــــــــــــــــــــراجع
(1) كتاب حقبة مضيئة فى تاريخ مصــر - بمناسبة مرور 16 قرناً على نياحته - القديس أثناسيوس الرسولى البابا العشرون 296 - 273 م سيرته , دفاعه عن الإيمان عند الأريوسيين , لاهوته - العلامة الروحانى الأب متى المسكين - عدد صفحاته 824 صفحة- الطبعة الثانية 2002 م ص 56
(2) الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - كنيسة علم ولاهوت - طبعة تحضيرية 1986 م - القمص تادرس يعقوب ملطى ص 76
(3) De Incarn. 36.
(4) Ruf.I. 1.
(5) Athanas., Orat. IV. 29, Quotation from Odyss. II. 3633.66.
(6) Ibid
(7) Salpicius Severus, II. 36; Soc. I, 31

السبت، يونيو 05، 2010

البابا أثناسيوس الرسولى من عظماء باباوات الأقباط


البابا المصرى أثناسيوس الذى أصبح اسطورة واطلق عليه أسم الرسولى



القديس البابا أثناسيوس (ولد في 293 ، توفي في 2 مايو 373) رسم بطريركا لكنيسة الإسكندرية في القرن الرابع الميلادى . اصبح اسطورة وأطلق عليه لقب ثالث عشر الرسل الأطهار وعندما يذكر أسمه يكتب أو يقال هكذا " البابا أثناسيوس الرسولى " , ولم يصبح البابا أثناسيوس قديساً مصرياً محلياً ولكنه تجاوز حدود مصر وصار قديساً عالمياً تعترف به كنائس العالم , فقد تم الإعتراف به كقديس من الكنيسة الكاثوليكية أعلنته الكنيسة الكاثوليكية في روما أحد أطباء الكنيسة الـ 33 , أما الكنائس الأرثوذكسية الشرقية فقد اعلنت أنه قديساً عظيما ، ويعتبر أحد الآباء الأربعة الأعظم لدى الكنائس الشرقية , كما يعتبر عالم عظيم من قبل البروتستانت.
نشأة أثناسيوس وطفولته وعاداته الرسولية فى شبابه
من أعظم الكتب التى كتبت حول البابا أثناسيوس (1) مرجع كبير كتبه العلامة الروحانى الأب متى المسكين وسوف نحاول نكتب مقتطفات من هذا الكتاب لتغطى حياة وأعمال البابا أثناسيوس الذى لقبه العالم بأسم الرسولى والذى يعتبره كاتب هذا الموقع من أعظم الباباوات الذين جلسوا على كرسى مار مرقس رسول المسيح والكتاب عدد صفحاته 824 صفحة
 عندما أمدح أثناسيوس , اكون ممتدحاً الفضيلة , فإنى أذكر كا فضيلة عندما أشير إلى ذلك الذى أقتنى كل الفضائل , كان عمود الكنيسة الحقيقى , حياته وسلوكه يمثلان نظاماً للأساقفة , وتعليمه يمثل قانون الإيمان الأرثوذكسى (1) ( من أقوال القديس غرغوريوس أسقف نزينزا مرثاته للقديس أثناسيوس )
دعاه القديس أبيفانيوس : " أبا الأرثوذكسية "
أما المؤرخ جيبون (*) فقد قال [ إن إسم أثناسيوس الخالد لا يمكن أن ينفصل أبداً عن عقيدة الثالوث التى كرس لها حياته وكل قدراته العقلية وكل كيانه ... وقد شهدت كل ولاية من ولايات الأمبراطورية الرومانية ما كان يتحلى به أثناسيوس من فضائل وما كان يعانيه من آلام فى سبيل قضية وحدة الأبن مع الآب فى الجوهر التى أصبحت عمله الوحيد وهمه الوحيد ] جيبون
ومما قاله المؤرخون والعلماء عنه

إن حياة أثناسيوس كان إستشهاداً متواصلاً (تيمون)
إن سرد تفاصيل حياة أثناسيوس هو بحد ذاته مديح تعز الألفاظ عن تصورها (نوللر)
إن الإنسان عندما يقرأ حياة أثناسيوس يتمنى لو لم يمت (لوللر)
توافق المواهب : إتفاق مع معرفة مع تمييز (نيومان)
عمق الحق الذى يضئ كل كتاباته بإحساس من له علاقه بالمسيح فاديه ، الإصرار الفائق ، مع أن طبيعته أصلاً شديدة الحساسية ! .. التعاطف الذى جعل منه صديقاً ، وصانع سلام حتى كسب الولاء الحار ! ..
أغنى بكتاباته كبار اللاهوتيين ورؤساء الكنيسة بقوة تفوق عطاء البشر ! فلا نغالى إذا قلنا أنه صاحب أكبر أسم فى كنيسة ما بعد الرسل ] (ستانلى)
إن اثناسيوس عاش فى الحق الذى لا يموت (13)
ظل أثناسيوس يزرع اشجاراً طيلة حياته حتى تتمكن الأجيال القادمة أن تستظل تحتها (14)
نشأة أثناسيوس ؟
ولد القديس أثناسيوس بصعيد مصر حوالى عام 279 م (2) , ولم يذكر المؤرخين اسمى والديه ولكنها كانا مسيحيين تقيين عاشا بالصعيد بالقرب من أخميم (4) وكان يتعلم فى صباة صنعة كأهل ذلك الزمان وعادة أهل مصر وربما كانت هذه الصنعة هى البناء , ثم رحلت الأسرة إلى الإسكندرية وأستقرا هناك وكانت الأسكندرية مدينة وثنية فى ذلك الوقت وتربى فى هذه المدينة طبقاً للإشارة التى وردت فى رسالة للأمبراطور قسطينوس فيكتور سنة 345 م للقديس أثناسيوس وهو فى منفاة يأمره بالعودة إلى اٌسكندرية وطنه (3).
عاداته الرسولية فى شبابه
وكان من عادة أثناسيوس وهو صغير أنه كان عند غياب الكاهن الذى كان فى العادة يبارك الطعام فكان يرشم الأكل بيديه على شكل صليب فيظن من معه أنه أنه يطرد الذباب فكان أثناسيوس يحفظ قوانين الرسل وهو فى صباة (5)
وقد أستخلص العلامة المتنيح الأب متى المسكين من تحليل مخطوطة (6) أن : [ أثناسيوس كان يمارس حضور القداسات والمواظبة على التناول فى شبابه وقبل تكريسه , وكان يتعلم على يد معلم وفى منزله الخاص فى اخميم كما جرت العادة فى بلاد مصر فى تلك العصور ومثل كل علماء الذين نشؤا فى عصره ( لأن كاتب سيرته فى المخطوطة يقول : إن هذه الأخبار هى الخاصو به وهو فى مصر تميزاً عن الأعمال الأخرى التى له فى الأسكندرية ) , وكانت عند أثناسيوس غيرة مقدسة على الطقس والقانون الكنسى التى ظهرت فى عدم إحتمال رؤيته إجراء طقوس الكنيسة ناقصة كما ظلت تلاحقة كل يوم فى حياته اللاحقة , ومن ثم تجلت حكمة الشاب أثناسيوس فى مواجهة كاهن عن القانون الكنسى بأدب جم فإستخدم أسلوب الحوار والتشبيه والتطبيق المحكم وقد ظل يستخدمه فيما بعد فى كل مناظراته ومناقشاته اللاهوتية فى مصر والمجامع المسكونية وفى العالم فى أخطر المواقف التى كانت تواجهه وتواجه الكنيسة ومن الأدلة التى ظهرت فى المخطوط على صغر سنه فى ذلك الوقت أن الكاهن كان يخاطبه بكلمة " يا ابنى " .
وعندما أقنع الشاب أثناسيوس الكاهن بخطأه فرفض الكاهن أن يرضخ للنتيجة ويعترف بالخطأ فبدأ يتحدى أثناسيوس بقوله : " أليس لك عمل ولى عمل ككاهن " أو بما معناه : ما شانك أنت ؟ ولماذا تتدخل فى عمل الكهنة؟ .
وبعد أن رفض الكاهن الخاطئ المعاند قبول التعقل والحكمة والمنطق أستعمل أسلوباً آخر والذى ظل يستعمله طيله حياته وهو : رفع ضمير الخاطئ إلى مستوى المواجهة مع الرب ووصاياه والقانون الكنسى فبدأ هذه المواجهة الصارمة بالجملة الرهبانية المشهورة : " أغفر لى يا أبى " هنا يبرز المستوى الأخلاقى لأثناسيوس الشاب وتشبعة بروح التقوى والإتضاع كسند ضرورى فى كل مواقف التصدى والدفاع عن الإيمان المسيحى . ]
ويستخلص ابينا متى المسكين أيضاً أن : [ والد أثناسيوس كان كاهناً وكان يعيش حتى زمان هذه القصة , وأنه أى والده هو المصدر الذى كان يستقى اثناسيوس الشاب كل تهذيبه الروحى والطقسى , منذ طفولته المبكرة فقال أثناسيوس : " وهو الذى علمنى هذه الأعمال هكذا " ]
ووصل ابينا متى المسكين إلى نتيجة مفادها أن : [ عندما سأله القس " ألعلك أنت أيضاً كاهن ؟ " يتضح أن أثناسيوس لم يكن قد رسم كاهناً بعد .. وقد رد أثناسيوس بحس إلهى بما سيحدث فى المستقبل فقال : " يا ابى إن كنت أنا كاهن فأنت تنظرنى " ومعناه أنك أنت ترانى كاهناً بالرؤيا أو بالنبوة , ولكنى انا فى حقيقتى الآن لست كاهناً " بكن شكلى هو الذى تنظرنى فيه " ]

ولم يكن والدى أثناسيوس أغنياء بل كانوا من طبقة الفقراء وقد أستند أثناسيوس على فقره عندما أتهمه الأريوسيين بأفعال لا يقوم بها إلا مقتدر وغنى وذو سطوة فقال : [ كيف يكون إنسان فقير مثلى وبحالى الضعيف هذا ويصنع مثل هذه الأمور ؟ ] (7)
أما عن والدى أثناسيوس فقد كانا على قيد الحياة حتى بلغ أثناسيوس الستين من عمره ويزيد ! وقد ورد هذا بوضوح فى رسالته التى أرسلها عام 358 م إلى لوسيفر أسق كالاريس فى جزيرة سردينيا ( وتذكره الكنيسة كمعترف وقد عانى من النفى أيضاً ) وقد قال : [ إن عينى لا تكف عن الدمع ولا روحى عن الأنين فى , لأننا لانستطيع حتى إفتقاد الإخوة , ولكن الرب يشهد على أنى بسبب إضطهادهم أصبحت لا أستطيع أن أرى ( أفتقد) حتى والدى اللذين لى , لأنه ما هو الذى أبقى عليه الأريوسيون ؟ .. إنهم يراقبون الشوارع ويتحققون من كل أنسان يدخل ويخرج المدينة ( الإسكندرية ) يفتشون المراكب , يجولون فى الصحراء , يحاصرون البيوت ويتحرشون بالأخوة حتى أقلقوا راحة كل أنسان ]
فى الرسالة السابقة يصف أثناسيوس إضطهاد الأريوسيين الذى أثاروة على الكنيسة القبطية وقد عانى منهم أثناسيوس فى النفى الثالث وإختفى , وظل يتنقل من مدينة إلى أخرى ومن قرية لقرية ومن برية لبرية ( من سنة 356 - 361 م ) .. وبعد إنتها هذا الإضطهاد بستة سنوات نسمع عن موت أبيه ودفن بالأسكندرية بعد سنة 358 م وأن قبرة كان خارج المدينة (8) ثم نسمع مرة أخرى أنه أختبئ فى قبر أبيه نحو أربعة أشهر (9)
البابا ألكسندروس والطفل أثناسيوس
وقد ذكر المؤرخ روفينوس : [ أن ألكسندروس بابا الإسكندرية 19 كان فى يوم من الأيام مطلاً من نافذة البيت الذى يقطنه على البحر , فرأى صبية يلعبون على الشاطئ , فلما تحقق من حركاتهم وجدهم يمثلون طقس العماد الذى تجريه الكنيسة , فأخذ يراقبهم فى شغف , فبدأ يحس أن عملهم هذا أصبح له وضع سرائرى , فإستدعاهم وكان هذا بحضرة بعض الإكليروس , ولما أستجوبهم علم أن الصبى أثناسيوس كان يقوم بدور الأسقف فى العماد ( والمعروف أنه فى العصور الأولى للكنيسة كان الأسقف وحده هو المنوط بإجراء العماد من دون الكهنة ) وقام فعلاً بعماد رفقاءه عن قصد بكل مستلزمات الطقس , وهؤلاء لم يكونوا مسيحيين بعد , أما البابا ألكسندروس فلم يأخذ الموضوع ببساطة , وبعد مداولات مع الإكليروس أعتبر هذا العماد سارى المفعول , وإمتدح أثناسيوس واحتفظ به عنده , وأمر أن تجرى لبقية الولاد ما يلزمهم من الطقوس والتعاليم اللازمة لتكميل الطقس ] (10)
وقد اعترض بعض المؤرخين على القصة السابقة أمثال " كيف" و " تيمون" و " البندكتين" حيث ذكروا أن ألكسندروس صار أسقفاً على الأسكندرية فى 3 ابيب 28 ش - 27 / 6 / 312م حيث يكون عمر أثناسيوس حوالى 16 سنة , ولكن يرى جماعة البولاندست بعد أن تحققوا من تاريخ إستشهاد البابا بطرس خاتم الشهداء أن التاريخ الذى ذكره المؤرخون لأعتلاء البابا ألكسندروس الكرسى السكندرى متأخر جداً عن هذا التاريخ مما يؤكد صدق هذه القصة , وان أثناسيوس بالفعل لم يكن آنذاك قد تجاوز مرحلة الصبوة بعد , وفى المقابل يؤكد المؤرخ سوزومين (11) هذه القصة وأعتبرها المدخل الذى بدأ منه القثديس أثناسيوس تدرجة فى المراتب الكنسية حتى جلوسه على كرسى الأسقفية , بالأضافة إلى أن المؤرخ الكبير " دين ستانلى " يرجح صدق هذه القصة (12)
المــــــــــــــــــــــــــــــراجع
(1) كتاب حقبة مضيئة فى تاريخ مصــر - بمناسبة مرور 16 قرناً على نياحته - القديس أثناسيوس الرسولى البابا العشرون 296 - 273 م سيرته , دفاعه عن الإيمان عند ألريوسيين , لاهوته - العلامة الروحانى الأب متى المسكين - عدد صفحاته 824 صفحة- الطبعة الثانية 2002 م ص 56
(2) الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - كنيسة علم ولاهوت - طبعة تحضيرية 1986 م - القمص تادرس يعقوب ملطى ص 76
(3) كتاب جقبة مضيئة فى تاريخ مصــر - بمناسبة مرور 16 قرناً على نياحته - القديس أثناسيوس الرسولى البابا العشرون 296 - 273 م سيرته , دفاعه عن الإيمان عند ألريوسيين , لاهوته - العلامة الروحانى الأب متى المسكين - عدد صفحاته 824 صفحة- الطبعة الثانية 2002 م ص 42
(4) وقد وردت القصة السابقة فى مخطوط عثر عليه فى أرضية مكتبة دير القديس أنبا مقار رقم 199 (ب) ونقرأ فيه الآتى :
[ والضرورة تدعونى - يا أخوتى المحبين للمسيح - لكى أظهر لكم بقية الذين كانوا منه فى مصر لكى الذين يسمعونهم يمجدوا الرب , كان هيكلاً للمدينة التى سبقنا أن ذكرناها التى هى أخميم بدعوة مثروس -- , وفى أحد الأيام حاز القديس أثناسيوس لابس الرب وكانوا يمشون أطفالاً صغاراً يعملوا فى الصبغة معه فقال لهم كلمة هكذا : ترى الرجال الذين بنوا هذا ما هو الذى فى قلوبهم , فأجابوا : أولئك الأطغال الصغار , وقالوا أنم أهل هذه المدينة الذين كانوا قبل هذه الأيام لم يكن لهم فهم بل كانوا يخدمون الأوثان وبنوا لهم هذه الهياكل , فقالوا له : أولئك الأطفال : ألا تنظره ثابت بهذه الحجارة ومشيد -- إلينا بهذه الأعمال , ونحن ليس لنا آلة وناقصين جداً فى قوتنا ولا نقدر بعمل مثل هذا " فقال لهم الرسولى أثناسيوس : " دانيال الجديد أنا أعرف صنعة فى كورتى يعملوها معلمى البنين , ويمسكوا الطوبة الذين يتأملوها فى البنايان ] إنتهى بخطة
(5) مخطوط عثر عليه فى أرضية مكتبة دير القديس أنبا مقار رقم 199 (ب) ونقرأ فيه الآتى : [ خايف من الذباب الصغير , ولم يكونوا المتكئين معه يعلموا ما هى العلة فى ذلك ... وهذا كان يصنعه ليكمل وصية الرسل الذى قالوها فى القانون , أن لا يمد أحد يده ليأكل إلا إذا مد الكاهن يده أولاً ليرشم الموضوع للأكل وإن لم يكن هناك كاهناً يبارك فبركة الرب تكون فى بيت ذلك الإنسان ... ] بخطته
(6) مخطوط عثر عليه فى أرضية مكتبة دير القديس أنبا مقار رقم 199 (ب) ونقرأ فيه الآتى : [ وكان يوما مضى (أثناسيوس) ليأخذ من السراير الكريمة فى كنيسة صغيرة كانت فى وسط المدينة بالقرب من بيت معلمه , ولم يجد فى الكنيسة سوى قسيس واحد وهذا كان حداد فى صنعته فصنع الخدمة وحده , ومن بعد القداس رئيس الأساقفة مسك ذلك القسيس وقال له : " أيها الإنسان العظيم أريد أن تصنع لى حلقة حديد -- -- -- بيديك وحدك ولا تدع أحداً من الناس يعمل معك فيها إلا أنت وحدك " , فأجابه القسيس قائلاً : " يا ابنى أنا أرسمها لك لكن أحتاج إلى واحد ينفخ وآخر يطرق بالمطرقة " فقال رئيس الأساقفة أيضاً : " ألعلك تستطيع تعمله بغير هؤلاء " فقال له : " لا " .. فأجابه الكاهن الحقيقى أثناسيوس : " فإذا كنت لا تقدر تكمل هذا الشكل الهيولانى ------ وحدك فبأى نوع تتقدم لخدمة السراير لتكملهم وحدك إذ تصنع الخدمة كلها بغير أحد من الناس يساعدك وإذا كنت ملكاً يقدر أن يدير أعمال المملكة وحده فما هى الحاجة لهذه النفقات ----- الذى يعطيهم لجنده ... وهكذا لو أراد الرب كان يعرف أن واحداً وحده يقدر أن يكمل الخدمة فما كانت هى الحاجة أن يكرز هؤلاء كلهم " .. فقال لاقسيس : " يا ابنى .. أليس لك عمل وعمل لى أنا أيضاً هكذا لأن هؤلاء الأعمال هم للكهنة وحدهم ... فقال له رئيس الأساقفة : " أغفر لى يا أبى تأمل ولا تصنع هذا العمل وحدك لئلا يغضب الرب عليك لأنى أنا ايضاً أبى هو كاهن وهو الذى علمنى هذه الأعمال هكذا " .. فأجاب القسيس وقال له : " الرب يعرف أنى قد ربحت بحديثك --------- جداً يا أبنى لعلك أنت أيضاً كاهن " فقال القديس أثناسيوس إذ كان ينطق بالحق : " يا أبى إن كنت كاهناً فأنت تنظرنى لكن شكلى هو هذا الذى تنظرنى فيه , وحينئذ القسيس ربح جداً وصنع كل شئ قالهم له ... ] ( تنتهى بخطة ) كتاب جقبة مضيئة فى تاريخ مصــر - بمناسبة مرور 16 قرناً على نياحته - القديس أثناسيوس الرسولى البابا العشرون 296 - 273 م سيرته , دفاعه عن الإيمان عند ألريوسيين , لاهوته - العلامة الروحانى الأب متى المسكين - عدد صفحاته 824 صفحة- الطبعة الثانية 2002 م ص 44 - 45
(7) Apologia contra Ar. NPNF, vo;.IV, 9.
(8) Socrat, IV, 13.
(9) Socrat, E.H. IV, 13.
(10) Ruf. 14.
(11) Soz. II, 17.
(12) Dean Stanley, "Lect. east" p.264.
(*) كتاب إضمحلال وسقوط ألمبراطورية الرومانية الفصل 21 ( كان المؤرخ يهاجم ويسخر من المسيحيين ومن الكنيسة ورجالها , ولم يترك شخصاً إلا وفضح أغوارها ما عدا أثناسيوس الذى لم يتمالك إلا أن يشيد به فى كل موضع يأتى فيه ذكره فى كتاباته ]
(13) D.C.B.,p. 202. (christ. Rememb. 37- 206)
(14) Ibid.